Tuesday, June 28, 2011

قصة قصيرة جداً

الوحدة قاتلة لكنها تختلفُ بينَ إنسان وآخر وتجربة "معن" تُبين جداً ذلكَ الأختلاف ، فقد كان وحدهُ بين صمت الجدران القاسي يقتسمُ الوقت مع أحساسهِ بالجوع والعطش فقد خرجت والدتهُ العجوز منذ الصباح لأستلام راتِبها القليل جداً ألذي يشبه الجدوة من حيث الذلة في أستلامهِ من مركز الرعاية الأجتماعية فلم يكن لهم معيل غير تلك الدنانير القليلة وعطف بعض البيوت القريبة عليهم من الجيران . كان ينتظرُ بصبرٍ يشبهُ كثيراً صبر معدتهِ ألتي لم تذق أيّ طعام منذ مساء البارحة بعد قرص الخبز ألذي تناولهُ مع صحن الحساء عديم اللون والرائحة والطعم يشبهُ كثيراً أيامهُ ألتي تتوارى خلفَ جدران بيتهِ المتفطرة حزناً وفقرا ، ملت عيناهُ كثيراً وهي تركز في النظرِ ألى كرسيهُ المدولب والمكسور منذُ أكثرِ من شهرين على أملِ أن تصلحهُ أمهُ العجوز من راتب الرعاية ، لكن المشكلة إن والدتهُ تعبت من التفكير في كيفية تقسيم الراتب بين أصلاح الكرسي وشراء ما يكفيهم من طعام ..
كانت تتحججُ لهُ بأنها ستصلحهُ في بداية هذا الشهر مع أستلام الراتب وكان هذا هو السبب الوحيد ألذي جعلهُ يحسب الأيام لبداية شهرٍ جديد يستلمون بهِ ما تعطيهم الحكومة من بعضِ فتات الوليمة ألتي يتقاسمها أصحاب الكروش السمان وكراسيهم ألتي أعتلت على جثث الفقراء ..!!

أمهُ كانت تصارع الكِبر في سنينها الثمانون ومرضها الذي أجبر جسدها على التقوس بأنحناءة سعفة تظل بظلِها ولدها الوحيد ، وهو الوحيد دوماً "معن" .
وقفت بين تزاحم النساء على شباكِ الموظف المسؤول على تسليم الرواتب للمشمولين بالرعاية الأجتماعية وكانت تنتظرُ الأستلام بصبرِ الأطفالِ في ليلة العيد منتظرين أطلالة صباحهُ ..ولكن


_ بعد ما نسلم رواتب تعالو على باجر من الصبح

لم تكن هذه مجرد كلمات خرجت من فم الموظف فقد مرت على مسمعها الضعيف كأنها نفخةٌ في الصور جاءت تنبئها بقيامة الموت جوعاً . أدرات ظهرها للأمل تجر أذيال عبائتِها المتسخة بالخيبة تتلمس الطريق بعينيها المغرورقات دماً ودموع.

في تلكَ اللحظات لم يكن عند "معن" سوى الحيرة يقلبها بين يديه بأنتظار رجوع أمهُ المتسمِ بالفرح كما كانت تخبرهُ ضنونهُ علهُ يعيش يوماً يطلُ عليهِ بنوعٍ من السعادة حتى وإن كانت لبضعِ سويعات يحسُ فيها بوجودهُ في هذا العالم ، فهو خائفٌ جداً أن تكون نهايتهُ في هذا العالم بقبرٍ ترسمهُ الأيام لهُ بكلماتٍ تلخصُ كل حياتهُ الرخيصة ، لا تتجاوز حد الولادة والرحيل ، ترتفعُ عن الأرض بعِدة سانتيمات لشاهدةِ قبرهِ المغبر تشرداً وفاقة ، وتلك الكلمات الصارخة بزائريه.

ولِدَ معاقاً .... عاشَ ذليلاً ................................................... مات.

No comments:

Post a Comment