Tuesday, June 28, 2011

أعشقُها فهي طريقُ أحلامي

يقولون لي دائماً "لماذا تعشقُها؟؟" وجوابي لا تكفيه الكلمات فهو أكبر من أن يوصف فمنذ الفرح الأول في حياتي كشاب وأنا أراقب سقوط "الصنم" بدأتُ أحلمُ بالعراق الجديد وألهمتني مفردة التغيير كثيراً حتى باتت تؤرقُني وأنا أنتظرها تلمع حقيقةٌ في سماء عراقي ألذي لا أستطيع الرحيل عنه خوفاً من الموت اختناقاً وأشتياق ، الأيام تمر وأنا انتظرها وصار الأنتظار في صدري أحتراقٌ ودخان السكائر ألتي ألوكها وأنفخ الدخان أحلاماً لم تتحقق فقتلتها مرارة الصبر ، ألى متى سأنتظر ؟؟ أكبر سؤال مر في تاريخ رأسي ونخر الأمنيات فيه جعلني اقلب الأزقة والحارات صمتاً ولوعة وأنظر ألى التفاصيل الحزينة في وجوه الناس ألذين تربوا على الفقر فكانوا فزاعات تنتشر في الشارع تنبأ بالاحتياج وتطرد جيوب المارة لأنها تستهدفها من شدة الجوع لعلها تجد في تلك الجيوب أيادي الكرم ألتي تجود عليها ببعض فتات المال ، وعلى ذلك الحال أنام وأصحو وأموت وأحيا وأيامي تسابقني إلى الحزن.
ماذا سأفعل ؟؟؟ ما هو الحل؟؟ أين سأجد الأمان لأطفال أحلامي ألذين الدهم كل صباح ويموتون في المساء على وسادتي المبتلة بين عرق جبيني ودموعي ...
وها أنا أرى النور في وجوه شبابٍ تعلمتُ منهم أن الطريق لا يعبدُ ألا بالتضحيات ، شبابٌ عاهدوا أنفسهم على أن لا يرجعوا من السماء ألا أن تلاقفتهم الأرض بموعدٍ جديد مع الفرح والأماني ، نعم هم أصدقائي ألذين أخذوا بيدي وطاروا بي نحو "نصب الحرية" قلبُ حبيبتي "ساحة التحرير" ووجدتُ فيها ملامح أحلامي تزدانُ حريةً وتنبأ بالتغيير ألذي كنتُ أنتظرهُ، وأنا منذ ذلك اليوم أعشقها وأتودد أليها لعلها تقبلُ بي عاشقٌ آمن بالحب لوطنهُ وأشتهى الموت على قارعة السماء .. فكفى تسالوني "لماذا تعشقُها"

قصة قصيرة جداً ...... بالونات يملئُها الجوع

ركضت نحو الرجل الطويل صاحب الشاربان المفتولان فحولة حين رأتهُ يمد يدهُ اليسرى في جيب سترتهُ المتوهجة لمعاناً ليخرجَ علبة سكائرهُ الفاخرة فالوقت كان الظهيرة لكن الحر لا يعرف لذلكَ الرجل طريق فسيارتهُ حديثة جداً وكلما شغلَ تبريدها رأى الشتاء بعينيه الجاحظتان ، كانت فرحِةٌ وتصورت أنهُ سيعطيها بعض النقود حين تمد يدها الصغيرة وهي تحمل سلة مملوءة بالعلكة ..

_ عمو علج

_روحي بنتي الله ينطيج

ورنت كلماتهُ العتيقة على أذنها والخيبةُ ملئت أنفاسها المرتعشةُ جوعاً ، لا لون أمام عينيها سوى لون الأنتظار لشخصٍ يحنُ قلبهُ عليها بشيءٍ من العطفِ والدنانير ، الحر والجوع والكثيرُ من الحيرة وبعض الشوق لِلعبها ألتي تشبهها من حيث الحزن والفقر وألتي لا تراها سوى في مساءٍ مكلل بالتعب بعد جولةٍ طويلة من البيع والجدوة المتسترة خلف بالونات العلكة ألتي تبيعها فقراً وعوزاً ..
أدارت رأسها وهي تفتشُ عن المنقذ مِن الجوع فرأت أمام عينيها ما تبقى من مُلسقٍ في جدارٍ أصم كل ما تبقى منهُ إشعاراتٍ قديمة تحث الناس على الذهاب ألى مراكز الأنتخاب وهنا لفّتها الذكرى ودمعةٌ هاجمت عينها الناعسةُ من كُثر التعب والتجوال في الشوارع حين تذكرت والدها ألذي خرج لينتخب ويتعامل مع العملية الديمقراطية بكل ثقة ولكن لم يرجعَ للبيت ، لأن السيارة المفخخة كانت قريبةٌ منهُ لدرجة جعلت الناس يبحثون لأيام عن أي شيءٍ ليدفنوه من جسدهِ النحيل فلم يستطيعوا ذلك ..
رفعت رأسها ألى السماء باكيةً بدمعٍ أصفر يشبهُ جوعها وفي قلبها ينبضُ دعاءً سمعتهُ من إمها كثيراً فحفظتهُ

_ الله ينتقم من ألي جان السبب

ثم أرتد رأسها على صوتُ خطوات أقدام تتجهُ نحو لهفتها ورددت كلماتها الحزينة بصوتها الملائكي

_ عمو علج

.............................

قصة قصيرة جداً ..... رؤوس بلا سقوف

_ كَوم يمة أحمد الغرفة نترست مي

_ أي يمة اجيت

وركضَ أحمد بعد سماع صوتُ أمه المرتجف برداً وقلقاً وحيرة ليساعدها في أخراج الماء من الغرفة الصغيرة الخاصة بأمهِ والمجاورة لغرفتهِ ألتي كانت غارقة بمياه المطر أيضاً ،
جسدهُ النحيل والمبتل ينحني على الأرض الغارقة مثل أنحنائة سياط الجوع ألتي كانت تضرب أطفالهُ الثلاثة، سريعةً وماهرة فقد تعود هذا الأمر كل شتاء، وزوجتهُ المريضة ألتي اختلط أنينها بأنين الجدران الخاوية ألتي بناها بيديه من الطين و علب الصفيح والسقف ألذي يوشك على السقوط فهو عبارة عن أعمدة من الخشب عليها بعض قطع الحديد الصدأة ولأنهُ لم يستطع شراء أكياس نايلون كبيرة لفرشها على السطح أضطر لسرقة بعض أعلانات السياسيين من الحملة الأنتخابية الأخيرة لفرشها بدلاً عنه ، وكان كلما صعد للعمل على أصلاح اضرار المطر والريح لمحَ الأبتسامة في وجه المرشح من خلال الصورة وبعض الوعود ألتي كتُبت بجانب الصورة توعدُ بمستقبلٍ زاهر.. لكن المستقبل بالنسبة لأحمد كان ماطر ..
انتهى المطر وأنتهت قواه وخارت وكان جسمهُ يرتجف من شدة البرد ونام بحمى المطر والجوع على حُلمٍ بات قتيل الأرتجافة الواضحة لدمعةٍ في عينيه المجروحتان فقراً..

مرَ الشتاء بأنفاسهُ الباردة والمحمومة ولا أمل لأحمد بالراحة فالصيف يأتي بسيفهِ الحار ضارباً رأسهُ ورأس عائلتهُ المسكينة بكل أنواع الصداع الشمسي الحارق ، لم يجد الراحة حتى في نومهِ فصوت حراك أطفالهُ في الفراش من شدة الحر وأنين امهُ العجوز وأنتشار البعوض على جسدهِ، والتفكير أيضاً بيومٍ آخر في حياتهُ بينَ صيفٍ وشتاء وشتاءٍ وصيف..
كل هذه الأمور كانت تدعوه للجنون ...

_ شسوي ؟ وين أروح ؟ أتعاون وي القاعدة .. أبوكَـ .. أقتل ..............

كلها أسئلةً سوداء كانت تدور في رأسهِ حريق وأعاصير أحتياج لحياةٍ لم تمر في حياتهِ سوى على شكلِ حلم . حلم السعادة والعيش الهانئ ألذي تمناه لعائلتهُ وبقى مجرد أمنية..
وسيمرُ صيفٌ آخر وشتاءٌ آخر والأبتسامة في الصورة على سقفهِ الحزين مازلت تلتمعُ كذبٍ في كل الفصول.


.....................................

قصة قصيرة جداً............. أيجار قبر مستخدم



لا يعرفُ أين يضعُ قدمهُ في الخطوةِ التالية فالشارع أمامهُ كان غير واضح رغمَ أنهُ كان يفتحهما على إتساعهما من هولِ صدمة الخبر ومنديلهُ المبتل لا يسع شلالات التعرق النازلة من جبينهُ المرصع بتجاعيد الحزن واليأس جارفةً كل الأمل من وجههُ المنطفئ أحتضاراً .. الصورة تتجدد في عقلهِ ألذي لا يحمل في تلكَ اللحظة سواها ، صورة أنعكاس الألم والفقر والتعاسة الواضحة في وجه الكون ألتي تتلاطم على تضاريس مستقبلهُ أمواجٌ تنبأ بالتشرد تجسدت بكلمات وقساوة صاحب الشقة المؤجرة ألتي يسكنها هو وزوجتهُ ألتي تورمت أقدامها وهي تنتحب على باب الوزارات بحثاً عن وظيفة تعين بها زوجها المسكين بدفع الأيجار ولعهما يبنيان حياة جميلة لطفلهما صاحب السنوات الثلاث تهدمت أمام أرتجافة نظرتهُ البائسة وأرتجافة جسدهُ المسحوق من هول تلكَ الكلمات..

_ أبو طالب حاول تفرغ الشقة خلال هذا الأسبوع وما أريد مشاكل

_ بس .. بس .. أبو .........

_أبني ما عندي حجي وياك سلمني مفاتيح الشقة والله وياك

وغُلقت الدنيا مع أنغلاق الخط ، هاتفهُ المحمول بيدهِ المرتجفة مازال مرفوعاً على أذنهِ والكلمات تتكرر فيها، أستغرقَ وقتً طويل وهو يحاول أن يستوعب الخبر لكن من أين لهُ عقل كي يستوعب أو يفكر وكأن العصر الجليدي مر على رأسهِ المشتعلُ فأطفئ الحياة فيه ..
ماذا سيقول لزوجتهِ .؟؟؟ كيف سينقل خبر الوفاة المجهول لمستقبلهما وضحكةِ طفلهما ألتي كانت تملأ حياتهما نوراً يحاولان أن يجمعا شتاتهُ البسيط ليضيئا بهِ الأبتسامة على جدران الذاكرة في عيشهما المرقع ببعض الحب والأمنيات ..
لا شيء في صدرهِ سوى أحتراق الدخان من سجارتهِ الحائرة بين شفتيه اليابستين وأصابعهِ النحيلة ، ودمعهُ ألذي يرسمُ على خديهِ آهاتٍ علمت رأسهُ الأنحناء ..
مد يدهُ على عمود الأنارة القريب منهُ، تأوه وجعاً ويده الآخرى على صدرهِ تجس قلبهُ الضعيف ، وسقط على الأرض برحلة قصيرة جسدتها المسافة بين رأسهُ والرصيف ..

رن الهاتف وقفزت أم طالب فرحة بأتصال زوجها بعد طول أنتظار فقد تعودت أن لا يتأخر عليها بعد أنتهاء عملهُ، أمسكت الهاتف وتكاد تطير من الفرحة فلقد أتعبها التفكير بتأخرهِ ..

_ ألو

_ مرحبا أختي

_ منو أنتَ....؟؟ هذا رقم زوجي !!

_أعرف اختي بس زوجج لكينا بالشارع

_شلون !!!!!!!!!! شكو شبي .؟؟ وين هو .؟؟؟؟؟؟

_ آسف أختي .... زوجج بالطب العدلي.

.....................

قصة قصيرة جداً

الوحدة قاتلة لكنها تختلفُ بينَ إنسان وآخر وتجربة "معن" تُبين جداً ذلكَ الأختلاف ، فقد كان وحدهُ بين صمت الجدران القاسي يقتسمُ الوقت مع أحساسهِ بالجوع والعطش فقد خرجت والدتهُ العجوز منذ الصباح لأستلام راتِبها القليل جداً ألذي يشبه الجدوة من حيث الذلة في أستلامهِ من مركز الرعاية الأجتماعية فلم يكن لهم معيل غير تلك الدنانير القليلة وعطف بعض البيوت القريبة عليهم من الجيران . كان ينتظرُ بصبرٍ يشبهُ كثيراً صبر معدتهِ ألتي لم تذق أيّ طعام منذ مساء البارحة بعد قرص الخبز ألذي تناولهُ مع صحن الحساء عديم اللون والرائحة والطعم يشبهُ كثيراً أيامهُ ألتي تتوارى خلفَ جدران بيتهِ المتفطرة حزناً وفقرا ، ملت عيناهُ كثيراً وهي تركز في النظرِ ألى كرسيهُ المدولب والمكسور منذُ أكثرِ من شهرين على أملِ أن تصلحهُ أمهُ العجوز من راتب الرعاية ، لكن المشكلة إن والدتهُ تعبت من التفكير في كيفية تقسيم الراتب بين أصلاح الكرسي وشراء ما يكفيهم من طعام ..
كانت تتحججُ لهُ بأنها ستصلحهُ في بداية هذا الشهر مع أستلام الراتب وكان هذا هو السبب الوحيد ألذي جعلهُ يحسب الأيام لبداية شهرٍ جديد يستلمون بهِ ما تعطيهم الحكومة من بعضِ فتات الوليمة ألتي يتقاسمها أصحاب الكروش السمان وكراسيهم ألتي أعتلت على جثث الفقراء ..!!

أمهُ كانت تصارع الكِبر في سنينها الثمانون ومرضها الذي أجبر جسدها على التقوس بأنحناءة سعفة تظل بظلِها ولدها الوحيد ، وهو الوحيد دوماً "معن" .
وقفت بين تزاحم النساء على شباكِ الموظف المسؤول على تسليم الرواتب للمشمولين بالرعاية الأجتماعية وكانت تنتظرُ الأستلام بصبرِ الأطفالِ في ليلة العيد منتظرين أطلالة صباحهُ ..ولكن


_ بعد ما نسلم رواتب تعالو على باجر من الصبح

لم تكن هذه مجرد كلمات خرجت من فم الموظف فقد مرت على مسمعها الضعيف كأنها نفخةٌ في الصور جاءت تنبئها بقيامة الموت جوعاً . أدرات ظهرها للأمل تجر أذيال عبائتِها المتسخة بالخيبة تتلمس الطريق بعينيها المغرورقات دماً ودموع.

في تلكَ اللحظات لم يكن عند "معن" سوى الحيرة يقلبها بين يديه بأنتظار رجوع أمهُ المتسمِ بالفرح كما كانت تخبرهُ ضنونهُ علهُ يعيش يوماً يطلُ عليهِ بنوعٍ من السعادة حتى وإن كانت لبضعِ سويعات يحسُ فيها بوجودهُ في هذا العالم ، فهو خائفٌ جداً أن تكون نهايتهُ في هذا العالم بقبرٍ ترسمهُ الأيام لهُ بكلماتٍ تلخصُ كل حياتهُ الرخيصة ، لا تتجاوز حد الولادة والرحيل ، ترتفعُ عن الأرض بعِدة سانتيمات لشاهدةِ قبرهِ المغبر تشرداً وفاقة ، وتلك الكلمات الصارخة بزائريه.

ولِدَ معاقاً .... عاشَ ذليلاً ................................................... مات.

قصة قصيرة جداً

لم يجد في بيتهِ سوى الحسرة والعبرة والقليل من الأمل المتعب من كثرة الأستعمال اليومي عسى أن يكون لهُ رفيق دمعة يلوكها كل ليلة أنتماءٍ للحزن ، تلفت في كل الأتجاهات باحثاً عن فرصة حياةٍ تحملُ في طياتها ملامحَ ربيع ، والأجهاد الواضح على وجهِ لا ينبأ ألا بالأنفجار لمشاكلٍ علمتهُ الصمود عبثاً وهو الغريق بين أحتراق الفقر وتناسي الحكومة لحالتهُ المتوسلة للفرح . نفس الحكومة ألتي عمل جاهداً على أنتخابها والأتفاق مع عقلهِ المرهق على أن يشارك بصبغ سبابتهُ بالوعود الموثوقة بالتجريد من الحقيقة والتطبيق ، فها هو ذا يلعن كل خطوةٍ سار بها ألى المركز الأنتخابي حامل ٍ أثقال العيش على كتفهِ وأبتسامةَ طفلتهُ ذات البرائة التامة والمعلنة على أفقِ التمني بين أحظان صدرهِ المملوء بالأنكسارات لكنهُ مازال رحِبٌ كعادتهِ وأصيل، الوطنية في قلبهِ تحث خطوات أقدامهُ كأنهُ ذاهبٌ لموسم الحصاد بعد جهد السنين ألتي عاشها بين جرحٍ وعويل، متناسياً كلام جارهِ حين خرج ورائهُ هاتفاً بهِ.

_ وين رايح .. يا أنتخابات همة كلهم حرامية

كلماتٌ تجاهلها في ذلكَ الوقت لكنهُ الآن يخجلُ من أن يضعَ عينهُ في عينِ جارهِ فيتذكرها ويزداد ندماً وأنطفاء..

كان يوم الجمعة وهو يعرفُ جيداً بأن الهتاف تعالى وكثَرة خصوبتهُ وأستفاقت الريح هادرةً بصوتها المشحون بالحرية في ساحة الأحتجاج والمطالبة بالحق. ساحة التحرير .. بين جموعٍ خرجت يهزها الشوق لرسم أعيادٍ جديدة على وجه الخارطة المتورم من كثرة الجوع والموت لسنينٍ عجاف .. الهمة في داخلهِ تخبرهُ بالنهوض . تحملهُ الأرض ألى الخروج لنصرة الناس المرهقة والمثقلة أرواحهم بالأمنيات والأحلام المخنوقة بغبار السياسيين ورائحة الخيانة .
نبَضَ قلبهُ بنبضاتٍ لم تمر على صدرهِ من قبل لها طعم التحرر والنضال والحرية ملبياً نداء ساحة التحرير مرددً على لسانهُ هتاف الشموخ..

_ الما يزور التحرير عمره خسارة

ترك الباب ورائهُ مشرعٌ بالتضحية والفداء لا يرى أمام عينيهِ سوى الطريق ويد زوجتهِ الممدوة بأناءِ ماء سُكِبَ خلفهُ وكلماتٌ جسدت حبها وحرصها وأنتمائها لهُ وللعراق.

_ ترجع بالسلامة

.........................